الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

326

أنوار الفقاهة ( كتاب الحدود والتعزيرات )

غير تام لان ظاهر قوله تعالى « فان جاءوك » دليل على أنهم كانوا مهتمين بأمر الحدود والا لا وجه لمجيئهم عنده صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا لم يحكم بينهم بشيء حكموا بحكمهم لعدم قبولهم عار عدم اجراء الحدود . هذا مضافا إلى ما حكى عن ابن عباس فيما هو المعروف عنه : خيّر اللّه تعالى نبيّه بقوله « فان جاءوك » حكاه غير واحد منهم . هذا وقد يقال - كما حكى عن بعض العامة - انها منسوخة بقوله تعالى في تلك السورة بعينها : « وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ » . « 1 » ويمكن الجواب عنه بان الامر بأحد فردى التخيير لا يدل على فسخ حكم التخيير ولذا تجمع بين الروايات الدالة على أحد الفردين فقط بما دل على حكم التخيير ( في بعض المباحث الفقهية ) وان شئت قلت ظهور الآية الثانية في التعيين ليس بأقوى من ظهور الأولى في التخيير حتى يقال بنسخها بها ، بل الامر بالعكس فلم يثبت النسخ في الأول ، لا سيما مع حاجة النسخ إلى دليل قوى . واستدل له أيضا بما رواه إسماعيل بن أبي زياد ( السكوني ) عن جعفر بن محمد عليه السّلام عن آبائه ان محمد بن أبي بكر كتب إلى علي عليه السّلام في الرّجل زنى بالمرأة اليهودية والنصرانية فكتب عليه السّلام اليه ان كان محصنا فارجمه وان كان بكرا فاجلده مائة جلدة ثم انفه ، واما اليهودية فابعث بها إلى أهل ملتها فليقضوا فيها ما أحبوا . « 2 » بناء على كون الفرد الآخر من التخيير مما لا ريب فيه عندهم . ويمكن الاستدلال له أيضا بقاعدتين : إحداهما ان الاحكام الإلهية عامة شاملة للجميع ولا تقييد في الاطلاقات من هذه الناحية فهو الحق . أضف إلى ذلك قاعدة الالزام وانه يجوز الزامهم بما التزموا به في هذه الأمور

--> ( 1 ) - المائدة : 49 . ( 2 ) - الوسائل ، المجلد 18 ، الباب 8 ، من أبواب حدّ الزنا ، الحديث 5 .